عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
61
اللباب في علوم الكتاب
معنى فرد ، لا يدخل معه زيادة إذا حصل ، ولا يبقى منه شيء إذا زال ، فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقصان في متعلقاته ، دون ذاته . ومعنى الآية : زادهم قول الناس إيمانا ونصرة ويقينا في دينهم ، وإقامة على نصرته ، وقوة وجرأة واستعدادا ، فزيادة الإيمان - على هذا - هي في الأعمال » . قال ابن الخطيب : المراد بالزيادة في الإيمان أنهم لما سمعوا هذا الكلام المخوّف لم يلتفتوا إليه ، بل حدث في قلوبهم عزم متأكد على محاربة الكفار وعلى طاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في كل ما يأمر به وينهى عنه - ثقل ذلك أو خفّ - لأنه قد كان فيهم من به جراحات عظيمة ، وكانوا محتاجين إلى المداواة ، وحدث في قلوبهم وثوق بأنّ اللّه ينصرهم على أعدائهم ويؤيدهم في هذه المحاربة ، فهذا هو المراد من قوله : فَزادَهُمْ إِيماناً . فصل [ في دلالة هذه الواقعة ] فصل هذه الواقعة تدل دلالة ظاهرة على أن الكل بقضاء اللّه وقدره ؛ وذلك لأن المسلمين كانوا قد انهزموا من المشركين يوم أحد ، والعادة جارية بأنه إذا انهزم أحد الخصمين عن الآخر ، فإنه يحصل في قلب الغالب قوة وشدة استيلاء ، وفي قلب المغلوب انكسار وضعف ، ثم إنه - سبحانه وتعالى - قلب القضية ها هنا ، فأودع قلوب الغالبين - وهم المشركون - الخوف والرعب ، وأودع قلوب المغلوبين القوة والحمية والصلابة ، وذلك يدل على أن الدواعي والصوارف من اللّه تعالى ، وأنها متى حدثت في القلوب وقعت الأفعال على وفقها . ثم قال تعالى : وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ والمعنى : أنهم كلما ازدادوا إيمانا في قلوبهم أظهروا ما يطابقه ، فقالوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قال ابن الأنباريّ : حَسْبُنَا اللَّهُ أي : كافينا اللّه . ومثله قول امرئ القيس : [ الوافر ] 1693 - فتملأ بيتنا أقطا وسمنا * وحسبك من غنى شبع وريّ « 1 » أي : يكفيك الشّبع والرّيّ . وأما « الوكيل » ففيه أقوال : أحدها : أنه الكفيل . قال الشاعر : [ الطويل ] 1694 - ذكرت أبا أروى فبتّ كأنّني * بردّ الأمور الماضيات وكيل « 2 » الثاني : قال الفرّاء : الوكيل : الكافي ، والذي يدل على صحة هذا القول أن « نعم »
--> ( 1 ) ينظر البيت في ديوانه ص 49 ومجمع الأمثال 1 / 348 وتاج العروس 5 / 392 والصحاح 5 / 2138 . ( 2 ) ينظر البيت في مفاتيح الغيب 9 / 101 .